الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

449

تفسير روح البيان

المجنون فقلت له كيف حالك وكيف أنت فقال يا مالك كيف حال من أصبح وأمسى يريد سفرا بعيدا بلا أهبة ولا زاد ويقدم على رب عدل حاكم بين العباد ثم بكى بكاء شديدا فقلت ما يبكيك قال واللّه ما بكيت حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت والبلى لكن بكيت ليوم مضى من عمرى ولم يحسن فيه عملي أبكاني واللّه قلة الزاد وبعد المسافة والعقبة الكؤود ولا أدرى بعد ذلك أصير إلى الجنة أم إلى النار فقلت ان الناس يزعمون انك مجنون فقال وأنت اغتررت بما اغتر به بنو الدنيا زعم الناس انى مجنون ومابى جنة لكن حب مولاي قد خالط قلبي وجرى بين لحمي ودمى فأنا من حبه هائم مشغوف فقلت يا سعدون فلم لا تجالس الناس ولا تخالطهم فأنشد كن من الناس جانبا * وارض باللّه صاحبا قلب الناس كيف شئ * ت تجدهم عقاربا وفي التأويلات النجمية يا أيها الذي آمنوا بالايمان الحقيقي الشهودي الوجودي اجعلوا اللّه وقاية نفوسكم في إضافة الكمالات اليه ولتنظر نفس كاملة عارفة بذات اللّه وصفاته ما هيأت لغد يوم الشهود واتقوا اللّه عن الالتفات إلى غيره ان اللّه خبير بما تعملون من الإقبال على اللّه والأدبار عن الدنيا ومن الأدبار عن اللّه والإقبال على الدنيا انتهى ويدخل في قوله نفس النفوس الجنية لأنهم من المكلفين فلهم من التقوى والعمل ما للانس كما عرف في مواضع كثيرة وَلا تَكُونُوا أيها المؤمنون كَالَّذِينَ اى كاليهود والمنافقين فالمراد بالموصول المعهودون بمعونة المقام أو الجنس كائنا من كان من الكفار أمواتا أو احياء نَسُوا اللَّهَ فيه حذف المضاف اى نسوا حقوقه تعالى وما قدروه حق قدره ولم يراعوا مواجب أموره ونواهيه حق رعايتها فَأَنْساهُمْ بسبب ذلك أَنْفُسَهُمْ اى جعلهم ناسين لها فلم يسمعوا ما ينفعها ولم يفعلوا ما يخلصها فالمضى على أصله أو أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم فالمضى باعتبار التحقق قال الراغب النسيان ترك الإنسان ضبط ما استودع اما الضعف قلبه واما عن غفلة أو عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره وكل نسيان من الإنسان ذمه اللّه به فهو ما كان أصله من تعمد وما عذر فيه نحو ما روى عن النبي عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان فهو ما لم يكن سببه منه فقوله فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا هو ما كان سببه عن تعمد منهم وتركه على طريق الإهانة وإذا نسب ذلك إلى اللّه فهو تركه إياهم استهانة بهم ومجازاة لما تركوه كما قال في اللباب قد يطلق النسيان على الترك ومنه نسوا اللّه فنسيهم اى تركوا طاعة اللّه ترك الناسي فتركهم اللّه وقال بعض المفسرين ان قيل النسيان يكون بعد الذكر وهو ضد الذكر لأنه السهو الحاصل بعد حصول العلم فهل كان الكفار يذكرون حق اللّه ويعترفون بربوبيته حتى ينسوا بعد أجيب بأنهم اعترفوا وقالوا بلى يوم الميثاق ثم نسوا ذلك بعد ما خلقوا والمؤمنون اعترفوا بها بعد الخلق كما اعترفوا قبله بهداية اللّه وراعوا حقها قل أو كثر جل أو صغر ( سئل ذو النون المصري قدس سره ) عن سر ميثاق مقام ألست بربكم هل تذكره فقال كأنه الآن في اذني ودر نفخات مذكورست كه على سهل أصفهاني